السيد محمد تقي المدرسي

68

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

والفقيه هو الذي يحظى أكثر من غيره بإذكاء هذه البصائر باجتهاده في العبادة ، وتداومه في الطاعة ، وتسليمه لله سبحانه ولمن أمر الله بطاعته ، وبالتدبّر المستمر في كتابه والدراية أبداً في سُنَّة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأحاديث الأئمة من آله عليهم السلام . ومن هنا إذا عُرِضَ عليه حديث متشابه ، فإنه يعرضه على تلك البصائر ، فإذا شاهد على محتوى الحديث نورَها ، واطمأنّت له نفسه ، ووجد في قلبه برد اليقين ، أخذ به وإلّا ردّ علمه إلى أهله . ذلك إنّ كتاب الله لا اختلاف فيه ، أصوله تشهد على فروعه ، وفروعه تجليات لأصوله . قال سبحانه : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) « 1 » . وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن القرآن : « يُصَدِّق بَعْضُه بَعْضاً » « 2 » . وأمر الأئمة شيعتهم بأن يعرضوا أحاديثهم على كتاب الله فقالوا : « فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه ، أو ردّوه علينا » . « 3 » بل إن النبي صلى الله عليه وآله جعل ذلك وسيلة لفضح القالة من بعده ، فقال صلى الله عليه وآله : « إنَّ على كل حقٍّ حقيقةً وعلى كل صَوابٍ نوراً ، فما وافَقَ كتابَ الله فخذوه وما خَالَفَ كتابَ الله فدعوه » . « 4 » إنَّ مَثَلَ الوحي مثل الجسد الحي ، كل خلية منه تملك خصائص الجسد كله ، وهكذا كل جزء من حقائق الوحي تصدِّق بكل ما فيه وعليه ملامح الوحي . ولعلّ هذا هو ماسمّاه الفقهاء ب - " شَمّ الفقاهة " فإنَّ الفقيه المطَّلع على روح الشريعة يعرف مدى تطابق حكم مع تلك الروح . وهذا هو أحد سبل التأكد من صحة الحديث بالإضافة إلى سنده ، وهو دلالة محتواه على صدقه ، حيث أنَّ محتوى الحديث ، لو كان متوافقاً مع محكمات الكتاب والسنّة ، فإنه ذو دلالة على صحة صدوره ، وفي روايات التراجيح بيان صريح بضرورة النظر إلى ما في

--> ( 1 ) - النساء ، 82 . ( 2 ) - نهج البلاغة ، الخطبة 18 . ( 3 ) - التهذيب ، ج 7 ، ص 275 ، باب مَنْ أحل الله نكاحه من النساء . ( 4 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 69 ، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب ، ح 1 .